الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

           

 

(مساقط ضوء على حياته ونضاله وفكره)

 

     تتلخص المعادلة التي قادتها دولة الإمارات العربية المتحدة قبل ثلاثين عاماً في التركيز الدائم على الإنسان الذي نظر إليه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة باعتباره محور الاهتمام الكامل وثروة الوطن هم القادرون في بداية المطاف ونهايته على رفع الأعمدة التي يشمخ فوقها صرح الوطن في مزيج خلاق تتوازن فيه أصالة التراث وقيمه الحضارية والفكرية والحاجة لكل إيجابيات التحديث بغية بناء الوطن الذي تتكامل فيه الأبعاد الروحية والمادية.
     ولأن نقطة البدء عند صاحب السمو رئيس الدولة واخوانه أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات تمثلت في الإيمان التام بأن عطاء الإنسان لا يمكن أن يكون بلا حدود إلا إذا كانت العناية به مثلها بلا حدود فقد كانت حركة البناء دائبة، وجهد القولبة متصل، وسهر الاهتمام والتخطيط متواصل يتناول الجوهر والعام مثلما يتصل بأدق الأشياء حتى يكون الحرص تاماً والفائدة شاملة لكل فرد من أفراد هذا الشعب مهما نأت به زوايا الوطن الرحبة اعتماداً على الاقتناع الذي يتوجب أن تقوم عليها كل جهود التنمية وهو أن حركة التنمية تسقط قبل الوصول إلى هدفها المرسوم ما لم تكن تنمية مواطنيها مقدمة على كل مجال آخر.
    ولكن قبل أن يضج الوطن بحركة بنائه كان لا بد من أن يتوفر في البناة كل مكامن القدرة على البناء وتشاء رحمة القدر هنا التدخل لتقديم الانسان القائد الأب الذي كان العامل المحرك وراء صلب تنمية الوطن والمواطن، والقادر- وهو يدك أساسات التشييد- على ايجاد المصالحة المناسبة لمعادلة صعبة طرفها الأول وجدان شعبي مكوناته الأساسية عوامل تضرب عميقاً في جذور التراث وتبني عليه منظومة متكاملة من القيم والأخلاق والتقاليد، وطرفها الثاني مستلزمات العصر التي لا تقوم بغير وجودها سبل اعداد الوطن لاحتلال مكانه المناسب بين باقي أوطان الدنيا، أو تسليح الكوادر الوطنية بالامكانات التي تمكنها من حمل عبء المسؤولية والمساهمة من مواقع عملها في خدمة المجتمع والتسريع في دفع عجلة التنمية إلى الأمام.
    ولقد كانت البداية لأن عملية إعداد الانسان أشق عمليات الصنع فهي تحتاج للوقت والجهد ولمهارة يد البناء وشدة مراسه وإصراره، وكذا كان فقد قدمت النتيجة للعالم منذ اليوم الثاني من ديسمبر 1971م في مجتمع عربي ناهض تمتزج في مكوناته أصالة التراث وأشواق التحديث في امتداد طبيعي لكل ما في التراث من فضائل ولكل ما في التحديث من ايجابيات تكون في مجموعها ملامح الوطن الذي تتكامل فيه الأبعاد الروحية والمادية وتتضافر فيه العوامل التي تضمن للمواطن نموه الإنساني العريض دون تفريط بإمتدادات التراث أمام هجمة الحداثة ببهرجها المادي، أو الإفراط في الحداثة وطمس اشراقات الماضي على الحاضر.
    وما بين الإفراط والتفريط خيط رفيع كان من المتوجب التقاطه وتوسيع هوامشه حتى يتحول هو إلى قاعدة ويصبح حداه الاستثناء، وهذا ما سعى لتحقيقه صاحب التجربة وراعيها، فقد إلتقط الخيط الفاصل منذ الإقدام على الخطوات الأولى التي قادت إلى قيام دولة الامارات العربية المتحدة.
    ومن فاضل الأقوال التي يعتز بها تاريخ دولة الامارات اعلان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: " أن الدولة تعطي الأولوية في الاهتمام لبناء الانسان ورعاية المواطن في كل مكان من الدولة فالمواطن هو الثروة الحقيقية على هذه الأرض وهو أغلى امكانات هذا البلد ".
    والمدقق في هذه الجملة الشعار لا بد واجد أنها تلخص ماضي التجربة كلها وتستشرف آفاقها المستقبلية فالانسان هو أبعاده الروحية وتشوفاته الحضارية وتربيته النفسانية وحاجاته الثقافية ومستلزماته المادية، وهو في الوقت نفسه التوازن بين كل هذه العناصر الحيوية والرغبة في دفعها إلى المدى الأقصى.
    والنظرة إلى السنوات الماضية تكشف مقدار انطباق الشعار على الواقع فالإنسان في دولة الإمارات اليوم، كما كان في الأمس وسيكون في المستقبل، القالب الذي تتأطر حول تقدمه السياسات الموجهة لترسيم الاهتمام به لتعد بالمستقبل المشرق وتصل حلقات مسيرة البناء قبل أن توصلها إلى الغاية المنشودة، ومن هذه الزاوية فقط يتوجب النظر إلى الانجازات التي تحققت منذ قيام الدولة، ومن هذا الزاوية يتوجب الحكم على التنمية والتكوين اللذين خرجا إلى حيز النور منذ الثاني من ديسمبر 1971، والتي ستستمر بتوفيقه تعالى إلى أن يتحقق ما تصبوا إليه من رفعة وازدهار.
    هذه هي النقطة التي نتوقف عندها في حاضر المسيرة، ولكن أين هي نقطة البدء في ماضيها؟
    ولد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في قصر الحصن القائم وسط مدينة أبوظبي رابع أربعة أبناء رزق بهم الشيخ سلطان بن زايد الذي حكم إمارة أبوظبي بين عامي 1922 و1929 وكان ترتيبه الحادي عشر في سلسلة حكام آل نهيان.
    وقد عرف عن الشيخ سلطان شجاعته وحكمته وقدرته على بسط السلام والنظام وولوعه بالشعر والنشيد واهتمامه بأمور الزراعة والري والبناء.
    ووسط البيئة القاسية التي عرفها سكان إمارة أبوظبي في تلك المرحلة من تاريخها تفتحت عينا الشيخ زايد على الحياة وبدأ يتعرف على أهمية التمسك بالتقاليد العربية الكريمة، وكان في مجلس والده بقصر الحصن ينصت لما يدور فيه من حديث ويتعلم أولا بأول دروس تصريف شؤون الحكم وتسيير أمور الامارة.
    وخلال السنوات الأولى من عمره بدأ الشيخ زايد في الاطلاع على أصول الدين وحفظ آيات القرآن الكريم ونسج من معانيه وتوجيهه نمط حياته وبدأ يعي بأن كتاب الله جل جلاله ليس فقط كتاب دين وإنما هو السجل المنظم الشامل لجميع جوانب الحياة.
    وبدأت المرحلة الثانية من حياة زايد عندما انتقل من أبوظبي إلى العين وراح يظهر شغفه المتزايد بالمكونات التي يتصف بها البدوي الأصيل مثل الصيد بالصقور وركوب الخيل والهجن الأصيلة واستخدام البندقية حتى نقل عنه قوله أنه ركب الخيل منذ أصبح قادراً على المشي، وظل سموه شغوفاً بمتابعة هذه الهوايات والاهتمامات منذ تلك الفترة فما يزال يشجع الجميع على ممارستها ويرصد الجوائز القيمة للسباقات السنوية التي يشرف على تنظيم بعضها بنفسه.
    وفي مدينة العين وضواحيها أمضى زايد السنوات الأولى من فجر شبابه وترعرع بين تلالها وجبالها واستمد الكثير من صفائها ورحابتها إذ يقول أحد من عرفوه جيداً في تلك الفترة: "كان الصبي (أي زايد) يصعد إلى جبل حفيت على الحدود بين أبوظبي وعمان يقنص الغزلان بإصرار يثير الدهشة، وكان أشجع صبي عرفته فلم يكن يهتم للطقس سواء كانت حرارته لا تحتمل أو كان بارداً شديد البرودة… وكانت قدما الصبي تنطلقان بسرعة سعياً وراء أي هدف ولم يكن هناك ما يمنعه من ذلك".
    وعندما أصبح زايد شاباً يافعاً كان أتقن فنون القتال والصول والجول، وفي تلك المرحلة بدأت ثقافته تكتسب بعداً جديداً فولع بالأدب وأظهر الاهتمام بمعرفة وقائع العرب الأجداد وبطولاتهم.


زايد حاكماً على العين


     عرفت مدينة العين والمناطق التابعة لها المدنية منذ أقدم العصور غير أن صناعة تاريخها الحديث لم تكتمل كما لم تبرز أهميتها إلا بعد أن تولى الشيخ زايد إدارة شؤونها سنة 1949 وأحس على الفور بالحاجة لإدخال كل الإصلاحات الممكنة عليها استجابة لطموح مواطنيه ودعوتهم الدائمة لتحسين أحوالهم المعيشية.
    غير أن شح الإمكانات المالية المتوفرة وقف حجر عثرة دون تحقيق كل ما يصبو إليه المواطنون فلجأ إلى تنمية الزراعة وحفر الافلاج وكان يشارك الرجال النزول إلى جوف الأرض فيرفع التراب بيديه وبدأت في تلك الفترة عملية إصلاح زراعي وحل الإهتمام محل الإهمال الذي عانت منه العين بسبب الحروب والإفتقاد إلى القائد المناسب، وأثبت الشيخ زايد من وقتها أنه رجل الإصلاح الذي يعلي حقوق مواطنيه فوق كل الحقوق الأخرى.
    وسجل الرحالة الانجليزي المعروف ولفرد ثيسيجر في كتابه "الرمال العربية" انطباعاته عن أول لقاء له بالشيخ زايد في مجلس بقرية المويجعي من أعمال العين سنة 1948 فقال: "ان زايد رجل قوي البنية، لحيته بنية اللون، ووجهه ينم عن ذكاء حاد، وعيناه ثاقبتان قويتا الملاحظة، وهو يتميز بسلوك هادئ وشخصية قوية، وكان بسيطاً في لباسه يرتدي ثوباً من النسيج العماني رمادي اللون وصدرية مفتوحة، وكان يتميز عن مرافقيه بعقاله الأسود وبالطريقة التي يرتدي بها الكوفية فقد كان ينشر طرفيها على كتفيه بدلا من لفها حول الرأس كما هي الطريقة المعروفة هنا، وكان يضع خنجراً وجناداً للرصاص إلى وسطه وإلى جانبه على الرمال بندقيته".
    " لقد كنت متشوقاً للقاء زياد فله شهرة واسعة في أوساط البدو الذين أحبوه لسلاسة أسلوبه غير الرسمي في معاملته لهم ولعلاقاته الودية معهم، واحترموا فيه نفاذ شخصيته وذكاءه وقوته البدنية، وكانوا يعبرون عن اعجابهم به فيقولون: زايد بدوي مثلنا فهو يعرف الكثير عن الهجن ويركبها مثلنا وهو ماهر في الرماية ويجيد القتال".
    ووصف الرحالة أسلوب زايد في إدارة دفة الحكم فقال: "وزايد رب أسرة كبيرة يجلس دائماً للإنصات لمشاكل الناس ويحلها فيخرج المتخاصمون من عنده بهدوء وكلهم رضا من أحكامه التي تتميز بالذكاء، والحكمة والعدل".
    وأورد النقيب البريطاني أنطوني شبرد في كتابه "مغامرة في الجزيرة العربية" ما خرج به من إنطباعات بعد لقاء سموه فقال: "كان رجلاً يحظى بإعجاب وولاء البدو الذين يعيشون في الصحراء المحيطة بواحة البريمي، وكان بلا شك أقوى شخصية في الدول المتصالحة، وكنت أذهب لزيارته أسبوعياً في حصنه، وكان يعرض علي عادة وضع السياسة المحلية بأسلوب ممتاز، وإذا دخلت عليه بإحترام خرجت بإحترام أكبر. لقد كان واحداً من العظماء القلة الذين التقيتهم، وإذا لم نكن نتفق دوماً فالسبب هو جهلي".
    وكان العقيد بوستيد الممثل السياسي البريطاني أحد المعجبين بكرم الشيخ زايد وأسلوبه في التغلب على المصاعب التي تعترضه فقد كتب بعد زيارة إلى العين: "لقد دهشت دائماً من الجموع التي تحتشد دوماً حوله في البريمي وتحيطه بإحترام وإهتمام يستحقها القديسون. كان لطيف الكلام دائماً مع الجميع وكان سخياً جداً بماله، ودهشت على الفور من كل ما عمله في بلدته العين وفي المنطقة لمنفعة الشعب فقد شق الترع لزيادة المياه لري البساتين وحفر الآبار وعمّر المباني الاسمنتية في الأفلاج لكي يستحم فيها الناس. إن كل من يزور البريمي يلاحظ سعادة أهل المنطقة".
    وفي سنة 1953 بدأ الشيخ زايد يتلمس طريقه إلى العلم الخارجي بحذر فكانت رحلته الأولى إلى بريطانيا قبل أن يزور بعدها الولايات المتحدة الأميركية ولبنان والعراق ومصر وسوريا والهند وايران وسويسرا وفرنسا وغيرها من الدول، فزادت مشاهداته قناعته بمدى حاجة البلاد إلى الاصلاح والانفتاح والتطور وعبر عن تشوقه لتحقيق كل هذا بالكلمات المؤثرة التالية: "كانت أحلامي كثيرة، وكنت أحلم بأرضنا تواكب حضارة العالم الحديث، ولكني لم أكن أستطيع أن أفعل شيئاً كبيراً، ولم يكن بين يدي ما يحقق الأحلام ولكنني كنت واثقاً أن الأحلام سوف تتحقق في أحد الأيام".


زايد حاكماً لإمارة أبوظبي - زايد رجل البناء


     يعتبر يوم السادس من أغسطس سنة 1966 بحق صفحة مشرقة في تاريخ الإمارات الحديث لأنه اليوم الذي تبوأ فيه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم في امارة أبوظبي، ونقطة الإنطلاق بإتجاه النهضة الشاملة.
    ولقد أخذ سموه على عاتقه النهوض بمسؤوليات بناء القواعد الصلبة التي ارتفع فوقها صرح الامارة أولا والوطن الأكبر ثانياً فسعى لتوفير الحياة الكريمة للمواطنين فيها وإعلاء شأن الامارة التي لعبت بعد سنتين من ذلك التاريخ أهم الأدوار في قيام دولة الامارات العربية المتحدة والعمل لاحقاً على تنميتها وبث القوة في أطرافها.
    ومنذ يومه الأول في موقع المسؤولية حدد سموه نظرته إلى الدخل المتأتي من البترول وسيلة لبناء المجتمع والأمة لا غاية في حد ذاتها، ولخص بكلمات قليلة عميقة الدلالة وظيفة المال عندما رفع شعار : "لا فائدة للمال إذا لم يسخر لصالح الشعب" .
    وخلال الفترة اللاحقة تحول سموه لترجمة الشعار إلى واقع ملموس حين قاد سباقاً مع الزمن للحاق بركب التحديث وبدأت أبوظبي تخطو خطواتها الأولى في عالم البناء المنظم المدروس في كل نواحيه فأرسى سموه قواعد الإدارة الحكومية وفق الأسس العصرية، وأمر بتنفيذ مئات المشاريع التي قلبت أبوظبي إلى ورشة عمل جبارة وانتقل عشرات الآلاف إلى المنازل الصحية النظيفة، وامتدت آلاف الأميال من الطرق المعبدة الحديثة فوق رمال الصحراء، ودخلت المياه العذبة والكهرباء إلى كل بيت، وانتقل التعليم من نظام الكتاتيب البدائي إلى المدارس المجهزة بكل ما يلزم لبناء الجيل الجديد وقدمت المستشفيات والعيادات خدماتها الطبية لبدو الصحراء وحضر المدن وتمكنت مسيرة البناء من تعويض قرون طويلة من التخلف والجمود.
    وخلال سنوات قليلة قطعت إمارة أبوظبي تحت قيادة سموه شوطا هائلاً في كل مجالات التقدم العمراني والصناعي والزراعي والاجتماعي وتغيرت ملامح الطبيعة على هذه الأرض الخيرة في اتجاه التطوير والتحديث المستمرين لتكوين صورة مشرقة للدولة وتقدمها إلى العالم واحدة من أسرع الدول تطوراً ونمواً وكرماً.
    ولم يكن مستطاعاً أن يتحقق كل ما تحقق وسيتحقق لولا الجهد المستمر الذي يبذله سموه وهو يقول في ذلك "ان مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار ويتوجب أن تسبق بالأولوية والاهتمام والغاية أية مصلحة أخرى".
    وليس في دولة الامارات اليوم رقعة إلا وجدت نفسها ترحب بين آن وآخر بزيارة يقوم بها صاحب السمو مرة ومرتين وربما مرات كثيرة في العام الواحد، بعضها مبرمج ومعظمها فوري لا يجد سكان المنطقة إلا وسموه بينهم يحدثهم ويحدثونه ويأمر بزرع منطقة جديدة هنا أو توسيع رقعة التشجير هناك أو مد الطرق وتشييد المساكن وايصال الماء والكهرباء إلى مناطق لم تعرفها من قبل وكل الأمور الأخرى التي كرس لها سموه وقته وانتباهه وجهده.
    وهذا النهج على صعوبته عند غير سموه بسيط عفوي لديه لأنه نما في ذهنه قبل أن تتحقق الفرصة التي قدمت له النمو الحقيقي ويحدثنا سموه أنه كان يفكر في خدمة الوطن وأبنائه منذ البداية فيقول: "كنت أفكر في سعادتهم قبل أن تكون لدي السلطة، وقبل أ ن تتوفر لي الإمكانات التي أنعم الله بها علينا مع ظهور البترول. ان شعبنا حرم كثيراً في الماضي من الخدمات والمرافق التي كان يتمتع بها غيره، وآن الأوان لأن نعوض شعبنا عما فاته لينعم بما أعطاه الله من خير وفير" .


زايد صانع الرجال


     وحيثما تطلع الناظر اليوم فإن المنجزات ماثلة أمام عينيه : في الجامعة والمزارع والمصانع ... في الصحراء التي تحولت إلى امتداد أخضر في كثير من جنباتها، وفي الطرقات التي وصلت كل أطراف الوطن الكبير، وفي المطارات والموانئ ، وفي المدن والشوارع وداخل كل بيت، والأهم من كل هذا وذاك: في أبناء الوطن فالمساهمة في صنعهم هو الانجاز الأكبر، وكان العطاء لتحقيق هذه الغاية بلا حدود لأن صناعة الرجال من أصعب المهام التي تقع على عاتق القائد، ولأن المال إن لم يسخر لصناعة الرجال فلا فائدة من ورائه تجنى، وهذا ما بينه سموه في قوله المعروف: "أن الانسان هو العنصر الأساسي لكل تقدم، وأن أثمن ثروة لهذا البلد هي الانسان الذي يجب أن نعتني به كل العناية ونوفر له كل الرعاية، فلا فائدة للمال بدون الرجال ... وستبقى خالدة على مر الزمان كل الجهود التي تبذل لإعداد المواطن الصالح والعمل الصالح الذي يسهم به المواطن لبناء وطنه وخدمة أهله وأمته".
    وليس من فرق بين أقوال صاحب السمو الشيخ زايد وأفعاله والسياسة التي تنتهجها الدولة حيال المواقف التي يشير إليها سموه فالثلاث زوايا نظر مختلفة لصورة واحدة يرتبط فيها القول بالفعل ويمتزج فيها الفعل بالنهج الذي تختطه الدولة ليعكس كل ذلك جوهر الإيمان الحقيقي بمستقبل الإتحاد ورفعة أبنائه ويجسد المكانة التي يتمتع بها المواطن في قلوب قادته.
    وقد حدد سموه أولويات الاهتمام في السياسة الداخلية عندما أعلن: "أن الدولة تعطي الأولوية في الاهتمام لبناء الإنسان ورعاية المواطن في كل مكان من الدولة ... فلا قيمة للقدرة المالية دون أن تكون هناك ثروة بشرية وكوادر وطنية مؤهلة وقادرة على بناء الوطن لأن طريق نهضة الوطن سيظل دائماً يتطلب من كل فرد في هذا المجتمع بذل الجهود الشاقة لأجل أن تثمر جهودنا".
    وعاود سموه التأكيد على أهم العوامل في صنع الحضارة عندما قال في تصريح لوكالة أنباء الإمارات بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لقيام الإتحاد: "لقد كنت أردد دائماً عن قناعة قوية بأن الإنسان هو أساس الحضارة واهتمامنا به ضروري لأنه محور كل تقدم، فمهما أقمنا من منشآت ومدارس ومستشفيات وجسور وغير ذلك فإن كل هذا يبقى كيانا مادياً لا روح فيه لأن روح كل هذا هو الإنسان القادر بفكره وجهده وإيمانه على تحقيق التقدم المنشود".
    "إن الثروة ليست ثروة المال بل هي ثروة الرجال فهم القوة الحقيقية التي نعتز بها وهم الزرع الذي نستفيء بظلاله، والقناعة الراسخة بهذه الحقيقة هي التي مكنتنا من توجيه كل الجهود لبناء الانسان وتسخير الثروات التي من الله بها علينا لخدمة أبناء هذا الوطن حتى ينهضوا بالمسؤوليات الجسام التي تقع على عاتقهم ويكونوا عونا لنا ولأشقائنا".
    ومن هذا المنطلق أيضاً أكد سموه حقيقة واضحة وهي ان الدولة سخرت كل مصادرها المالية لخدمة المواطن : "وبذلت كل طاقتها لتسليح الجيل الجديد بالعلم والمعرفة وحثه على التمسك بالقيم والأخلاق التي يحض عليها ديننا الاسلامي الحنيف وتقاليدنا العربية العريقة، ولهذا كانت عملية بناء الانسان على أرض هذه الدولة سباقة على بناء المصانع والمنشآت فبدون الانسان الصالح الواعي لا يمكن تحقيق الخير لهذا الشعب وبدون استمرار العطاء والسهر على راحة المواطنين لا يمكن بناء الجيل الذي نفتخر به ويكون قادراً على تحمل أعباء المسؤولية في المستقبل".


زايد رجل العلم


     وإذا كان اهتمام صاحب السمو رئيس الدولة وصاحب السمو نائب رئيس الدولة واخوانهما أعضاء المجلس الأعلى حكام الامارات يصب في نهاية المطاف في محيط الالتزام المطلق بمستقبل الشعب والأمة، فإنه إتجه بادئ ذي بدء إلى توفير المستقبل الأفضل لصانعي المستقبل فشملوا الجيل الجديد برعاية خاصة تضافرت فيها الأسس اللازمة لقيام نهضة علمية شاملة في الدولة بدأت سنة 1971 بنحو 33 ألف طالب ووصلت سنة 1986 إلى نحو ربع مليون طالب وتوجت بعد ست سنوات من قيام الإتحاد بافتتاح جامعة الامارات قبل أن تعم وتتشعب فيما بعد لتصبح هذه الرعاية الخاصة حديث القاصي والداني واحدى العلامات النيرة التي تتميز بها دولة الإتحاد.
    ولا يتضح مفهوم سموه لأهمية العلم كما يتضح من خلال اعلانه في خطابه التاريخي الذي ألقاه في 10/11/1977 بمناسبة افتتاح الجامعة حين قال: "لقد كانت الجامعات وستظل دائماً المشاعل التي تنير طريق المدينة وتمهد السبل للرقي والتقدم ... لقد أصبح لدينا ثروة من المثقفين وسيكون المجال مفتوحاً والفرص متاحة لكل من يعمل في سبيل تدعيم كيان الدولة وبنائها".
    ثم حدد سموه للشباب الأسس التي يقوم عليها بناء المستقبل بقوله: "لقد آن لنا أن نستعيد عزتنا ومجدنا ولن يكون ذلك بالمال وحده، وما لم يقترن المال بعلم يخطط له، وعقول مستنيرة ترشده فإن مصير المال إلى الإقلال والضياع، وأن أكبر استثمار للمال هو استثماره في خلق أجيال من المتعلمين والمثقفين".
    ولقد كان يوم تخريج الدفعة الأولى من طلاب جامعة الإمارات في 28/2/1981 علامة بارزة على طريق العلم الذي طرقه الإتحاد بإصرار، وفي تلك المناسبة جدد سموه التزامه الثابت بالعلم والتعليم والمتعلمين معلناً أن الخريجين هم ذخيرة المستقبل ثم عاد فأكد بأن رصيد أية أمة متقدمة هو أبناؤها، وأن رقي الأمم يقاس بمستوى التعليم وانتشاره فيها.
    وفي كل مرة أيضاً كان يؤكد لأبنائه أن الدولة تضع جميع امكاناتها المالية لتوفير احتياجات الطلاب لأن الوطن يعقد عليهم الآمال العراض وينتظر تخرجهم ومشاركتهم في بناء المجتمع وتحمل المسؤولية في مختلف المجالات، مثلما يهتم بدرجة مماثلة بدور الطالبات لأنهن أمهات المستقبل.
    واهتمام صاحب السمو رئيس الدولة بطلبة الكليات العسكرية لا يقل عن اهتمامه بطلبة الكليات الجامعية لأن الوطن لا يمكن أن يحقق المجد الذي يصبو إليه ما لم تتوفر في أبنائه القوة للحفاظ على الوطن ورد كيد أعدائه إلى نحورهم وهذا ما أكده سموه في جميع المناسبات كقوله مرة: "إن خريجي الكلية العسكرية يتأهبون اليوم لأداء أشرف رسالة ألا وهي الانضمام إلى القوات المسلحة التي نعتبرها السياج الذي يحمي البلاد ونعتمد عليه في الدفاع عن تراب وطننا وأمتنا، وأن تخريج هذه الدفعة من الكلية العسكرية يثير في نفوسنا أسمى المشاعر لأنهم يجسدون آمالنا في الحاضر والمستقبل".


زايد رجل الإتحاد


     لقد استقرأ صاحب السمو التاريخ فأدرك أن الشعوب لا يمكن أن تستمر قوية حرة دون أن تجمعها الوحدة ويؤلف بين قلوب أبنائها الحب والتآخي والفداء، وتجربته الأولى عندما كان حاكماً على العين أثبتت له أيضاً أن التآزر هو أحد اهم عناصر نهضة الأوطان وقد عبر عن مفهومه للوحدة فقال: "إن الإتحاد هو طريق القوة وطريق العزة والمنعة والخير المشترك، والفرقة لا ينتج عنها إلا الضعف، وان الكيانات الهزيلة لا مكان لها في عالم اليوم فتلك هي عبر التاريخ امتداد عصوره".
    وتطلع سموه إلى المنطقة فوجد شعباً جمعه على مر الأزمان عرق واحد ودين حنيف لا ثاني له وتراث متأصل متشابه يهفو إلى جمع الشمل وتوحيد الكلمة، وتمثلت في رؤية سموه أحلام كل أبناء الوطن، وكان سموه يرى أن يرتكز الإتحاد على امارات الدولة على أن يترك الباب مفتوحاً لكل من يرغب من الأشقاء الانضمام إليه فيما بعد.
    ورغم الصعوبات الهائلة التي اعترضت سبل وضع اللبنات الأولى فإن إيمان سموه بضرورة الإتحاد وإمكان تحقيقه بقي ثابتاً لا يشوبه شك كا يتضح من اعلانه الصادق: "الإتحاد أمنيتي وأسمى أهدافي لشعب الامارات".
    هذه القناعة الراسخة بالوحدة هي التي مهدت السبيل في 18/2/1986 لإنضاج المبادرة الأولى عندما عقد سموه اجتماعاً في السمحة بين أبوظبي ودبي مع أخيه صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد المكتوم تم بعده الاعلان عن إتحاد يضم الامارتين كنواة لإتحاد أشمل، وما أن جاءت نهاية العام 1971 حتى كان الاعلان التاريخي عن قيام دولة الامارات العربية المتحدة والبدء بسريان مفعول الدستور المؤقت وانتخاب سموه رئيساً للإتحاد.
    ومنذ اللحظات الأولى لقيام دولة الامارات بدأ هذا الكيان الجديد في احتلال مكانه المناسب بين دول العالم وكان ثمرة واضحة للجهد الحثيث الذي بذله صاحب السمو رئيس الدولة واخوانه أعضاء المجلس الأعلى حكام الامارات وحان الوقت للشروع بواحدة من أكبر وأجلّ عمليات التنمية التي شهدتها المنطقة فانصب الاهتمام على تعميم نشر الثروة وإعمار زوايا الوطن وتشجيع الزراعة والصناعة وبناء المؤسسات الاجتماعية ودفع الدولة حثيثاً نحو آفاق جديدة من التقدم والتطور العلمي والتقني عن طريق تنفيذ المشاريع وتمديد الطرق وبناء المطارات والموانئ وكل ما تحتاجه الدولة للظهور بحلتها المتطورة الجديدة.
    وقد بيّن سموه جانباً من الفائدة التي عادت على الشعب من وراء قيام الإتحاد بقوله: "نحن نؤمن بأن ثروة المنطقة لأبنائها وكل مواطن في أي إمارة له كل الحقوق، ولقد أثبتت السنوات الثلاث عشرة من عمر الإتحاد قدرته الكبيرة على تحقيق التقدم والعطاء والاستقرار في ارجاء البلاد وأصبح الجميع مقتنعون بأهميته العظيمة وضرورة استمراره قوياً منيعاً لمواجهة التحديات وتجسيد أهداف الجميع في الأمن والرخاء والازدهار".
    "وعندما ننظر اليوم إلى دولة الإتحاد فإننا نرى إتساع المناطق الخضراء في ربوع بلادنا ونرى المئات من المشروعات الصناعية وشبكات الطرق والموانئ والمطارات، ولم تقصّر الدولة في تقديم الخدمات الأساسية وتحسين ظروف المعيشة والحياة الأفضل لجميع المواطنين بل سخرت كل الطاقات والإمكانات لخدمة أبناء الوطن وهكذا أصبح الإتحاد يعني السعادة للجميع ولا أظن أن هناك مواطناً عاقلاً يرفض السعادة والرضا والقوة".
    والإيمان بأهمية بناء المواطن تتصل حتماً بأهمية بناء الوطن والمحافظة على وحدته فمن التهم التي لا ينكرها سموه تمسكه بالوحدة سبيلاً للقوة والتغلب على المصاعب التي تعترض الطريق إلى المستقبل: "يتهمني الناس بأنني وحدوي ! هذه تهمة لا أنفيها، طبعاً أنا وحدوي لكنني لا أفرض هذه الوحدة على أحد ... إنني أرغب بالوحدة عندما تجتمع حفنة من الرجال يتبادلون الرأي ويتوصلون بقناعة تامة إلى أن الوحدة هي أمر لصالحهم. أنا لا أفرض الوحدة على أحد هذا استبداد ... كل منا له رأي مختلف ومغير لرأي الآخر... نتبادل هذه الآراء ونصهرها في بوتقة واحدة ونستخلص منها الجوهر، هذه هي ديمقراطيتنا وديمقراطية الوحدة".
    ويقارن سموه بين الإتحاد الأمنية والإتحاد الحقيقة فيقول في إحدى مقابلاته الصحافية أن الإتحاد كان في الماضي مجرد أمنية ولكنه يقوم اليوم على قاعدة أساسية هي: "جيل إتحادي شاب لم يعرف في حياته غير الإتحاد ولم يعد يعترف بالحدود ولا مستقبل له غير مستقبل الدولة المتحدة ونموها وقوتها وهذا يكفينا لأنه أكبر وأثمن ضمانة للتغلب على كل التحديات".
    ويرسم سموه الصورة القائمة في الامارات قبل قيام الإتحاد فيقول في مقابلة مع وكالة أنباء الامارات بتاريخ 2/12/1985: "ان تجربتنا الإتحادية كانت نابعة في المقام الأول من الرغبة في زيادة أواصر القربى ومن قناعة الجميع بأنهم أهل ولا بد أن يجتمعوا تحت قيادة واحدة، فنحن لم يسبق لنا تجارب إتحادية ولكن قربنا من بعضنا البعض و صلة الرحم بيننا هي التي جعلتنا نؤمن بضرورة قيام إتحاد بيننا يكون عوضاً عن التفتت والتمزق اللذين كانا سائدين بيننا ... ولأننا آمنا منذ اللحظة الأولى بأهمية ونجاح هذا الإتحاد فإننا نشعر الآن بأن أملنا قد تحقق وأصبح للإتحاد كيانه وسمعته الممتازة في الداخل والخارج واحتل المكانة العالية التي تليق به في مصاف الدول".
    "ولقد عشنا الليالي الطويلة قبل خروج الإتحاد إلى النور نعاني من الفرقة والتفكك ولم تكن لدينا قبل تفجر الخير الذي أنعم الله على هذا الوطن الإمكانات أو القدرة، وكنا نعاني من التفكك والتخلف ولا يتوجب علينا أن ننسى تلك الحقائق ... أما الآن فإن خير الإتحاد عميم على كل شعب الإمارات بل امتد هذا الخير إلى الأمة العربية والإسلامية ليساهم في التخلص من التخلف ويزيد سرعة عجلة التنمية الوطنية".
    إن الإتحاد يسير في طريقه الصحيح وتنتقل دولة الامارات معه من مرحلة قوة إلى أخرى حتى أصبحت مدعاة فخر الجميع بالمنجزات الهائلة التي تحققت على أرض هذا الوطن انطلاقاً من القناعة بان الإتحاد هو الضمان الوحيد للاستقرار الأمني والرفاهية في هذا الجزء من الوطن العربي وهذا يضع مصالح الإتحاد فوق جميع المصالح الأخرى".


زايد رجل الوحدة


     والإيمان بأهمية الوحدة الداخلية يقود بصورة طبيعية للإيمان بالوحدة الأشمل وهكذا كان عند سموه الذي أيقن دائماً بحتمية قيام إتحاد شامل يجمع كل الشعب العربي، فالوحدة كما يراها، هي الحال الوحيد للخروج من التردي الذي تعيشه الأمة العربية وهي العامل الأساسي في تماسكها وضبط قدراتها بينما التشرذم، على النقيض، يستجلب الضعف والهون ومتواليات الأحداث المريرة التي عرفها الوطن العربي في قريب عهده أثبتت صدق هذا المفهوم وانطباقه على الواقع.
    والسعي لتحقيق وحدة الصف العربي وكلمته بالنسبة لصاحب السمو ما هو أساساً إلا إستمرار السعي لترسيخ الإتحاد الوطني والاقليمي لأن العمل الوحدوي جهد متصل لا يحتمل انقطاعاً في أي من السلاسل التي تربطه وهذا ما عبر عنه بالقول: "ان جهودنا الرامية إلى تدعيم المسيرة الإتحادية يجب أن تستمر دائماً لأننا رغم قطعنا لمرحلة كبيرة على طريق الوحدة فما تزال أمامنا مراحل أخرى وخطوات أخرى يجب أن نقدم عليها في المستقبل بنفس الصبر والإيمان والاخلاص وتكاتف الجهود، ومسيرتنا الإتحادية المباركة تتطلب من كل أبناء هذا الوطن تقديم المزيد من التضحيات وانكار الذات ووضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار فلقد أثبتت تجربتنا أن الوحدة هي السبيل إلى تحقيق الانجازات الضخمة والانتقال من التخلف والحرمان إلى التقدم والخير".
    وخدمة الوطن الأصغر من وجهة نظر سموه مقدمة لخدمة وحدة الوطن الأكبر وهذا ما يشير إليه بقولة: " نحن نتطلع دائماً إلى إتحادنا كنقطة انطلاق نحو الوحدة الأشمل مؤكدين على قوة الروابط التي تجمعنا مع أشقائنا في باقي أجزاء الوطن العربي الكبير، وانني على ثقة بأن تعاوننا وتكاتفنا في خدمة هذا الوطن سيمكننا من التغلب على كل الصعاب التي تواجهنا وسييسر لنا الطريق لبلوغ أهدافنا وتحقيق آمال شعبنا في العزة والتقدم والرخاء".
    ولقد اعتبر سموه في مرحلة مبكرة جداً قيام إتحاد دولة الامارات بمثابة دعوة مفتوحة للإتحاد الخليجي، وأكد - حتى قبل ولادة مجلس التعاون- حقيقة التفاعل القائم بين الوحدة الداخلية والوحدة الخليجية حين قال في بداية سنة 1981: "إن دولة الامارات قبل كل شيء نموذج إتحادي خليجي وعربي قائم ومتطور وهي تضع نفسها في خدمة أي تنسيق بين أشقائها في منطقة الخليج فكل حركة توحيد في المنطقة هي دعم لإتحاد الامارات ولتجربتنا الإتحادية وتأكيد بأن الخط الإتحادي الذي سرنا عليه هنا هو الخط الذي لا محيد عنه في النهاية لدول الخليج العربية كلها ووجودنا في حد ذاته هو دعوى مفتوحة ودائمة للوحدة الخليجية وتوسيعها".
    ومنذ بداية الجهد لنظم الدول العربية في المنطقة في عقد العمل الخليجي المشترك حدد سموه مفهومه لقيام مجلس التعاون على أساس اعتباره خطوة مهمة في الطريق لتحقيق الوحدة العربية الشاملة لا يتوجب النظر إليها أي حال من الأحوال بمعزل عن العمل العربي المشترك فقال :"إن مجلس التعاون ليس منظمة اقليمية مستقلة عن الوطن العربي بل إنه سيعزز التضامن العربي وسيزيد الدعم للجهد العربي. وإن دول الخليج العربية -كدول منفردة أو كمجموعة- لن تبتعد عن القضايا العربية وأهمها قضية فلسطين بل ستتمسك بها وتزيد من التزاماتها تجاه هذه القضايا التي هي في الأساس قضايانا جميعاً، واننا بتكتلنا سنزيد الدعم للجهد العربي ونؤازر الامكانات العربية أكثر من أي وقت مضى ... فقوتنا هي للعرب وتكتلنا في سبيلهم".


     إن الخلاصة التي انتهى إليها صاحب السمو وهو يستعرض تاريخ الأمة العربية حملت إليه يقينا لا يتزعزع بأن الانقسام التي تعاني الأمة منه في الوقت الراهن ما هو إلا مرض عابر لا بد وأن تشفى منه لأن طبيعتها على مر العصور لا تحتمل سوى التضامن والوحدة، ولطالما استغل سموه المناسبات الدينية وغيرها لنقل هذه القناعة إلى جماهير الأمتين العربية والاسلامية في وقت تتفتح فيه الأفئدة وتستجيب فيه قلوب المخلصين وما حدث خلال استقبال سموه لعلماء المسلمين بمناسبة عيد الأضحى المبارك سنة 1985 خير دليل على هاذ التوجه فقد دعاهم إلى الابتهال والدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يجمع شمل الأمة العربية والاسلامية ويوجه القادة والرؤساء العرب لنبذ الفرقة التي طالت بينهم والتسامي فوق أي خلاف.
    وقال: "إن هذه المرحلة تحتاج إلى وقفة صادقة من علماء المسلمين لنتأمل حاضرنا وما حل بنا وصرنا إليه اليوم حتى لا تضيع منا معالم الطريق وحتى تكلل الجهود بالنجاح والتوفيق من أجل وحدة العالم الإسلامي ولسنا بحاجة لتذكيركم بالأمانة التي في أعناقكم بالنسبة للإسلام والمسلمين لأن الإنسانية لم تعرف مذهباً ولا رسالة ولا ديناً كالإسلام اعتقادا وعملاً، وفي هذه الساعات المباركة ومن خلال دعواتكم وصلواتكم وذكركم لله علماء للمسلمين نعتز ونفتخر بهم أرجو منكم المزيد من الدعاء بقلوب خاشعة وأفئدة مؤمنة بأن يوحد الله صفوف المسلمين ويجمع كلمتهم ويبعد الفرقة فيما بينهم حتى تتخلص الأمة العربية والإسلامية من طريق الظلمة الذي تسير فيه وتصل إلى طريق النور والأمل المنشود لها".
    وشدد سموه على أهمية توحيد الجهود كشرط لأداء الدور القومي والدولي الذي يقع على عاتق أبناء الأمتين العربية والاسلامية فقال: "في مناسبة التضحية والفداء هذه أود أن أؤكد لكم أن قدرة المسلمين على القيام بالدور المطلوب منهم مرهونة بوحدة كلمتهم وتراص صفوفهم انطلاقاً من أن الاسلام هو دين التوحيد والوحدة والسماحة والسلام والعفو وتلك كانت دائماً نبراساً لا تترك مجالاً لأي خلاف بين المسلمين".
    وتحدث سموه عن المرض العضال الذي ينخر في عظام القوة العربية والمنعة ووحدة الصف التي هي أحوج للأمة في الوقت الراهن من أي وقت مضى فدعا العرب والمسلمين في نداء وجهه بتاريخ 27/8/1985 إلى التبصر في أمورهم التحرك للتخلص من الأمراض السياسية التي تنهك مجتمعاتهم لأسباب بينة واضحة.
    ومضى سموه في تشبيهه الأمة العربية بالمريض الذي يتوجب عليه البحث عن الدواء اللازم لعلاجه قبل أن يستفحل مرضه فقال: "إن الانسان إذا أصابه مرض اجتمع حوله الأطباء وتشاوروا في أمره ليشخصوا الأسباب التي أدت إلى تدهور صحته والعقبات التي تحول دون شفائه ويقرروا في ضوء ذلك الدواء الناجع والمفيد ويحددوا الوسائل الكفيلة بشفاء المريض وتخلصه وتحصينه من المرض وهذا هو شخص واحد فكيف يكون الحال بوضع أمة تعد شعوبها بالملايين؟ ".
    "وكذلك في الاقتصاد نرى أن الدول تأتي بالخبراء لمعالجة ضعف اقتصادها وتأخذ برأيهم حتى تتخلص من هذا الضعف وتسير في طريق يرفع مستواها وينقذها من أزمتها الاقتصادية حتى تستطيع أن تقف موقفاً مشرفاً بين الأمم والحضارات، وينطبق هذا على الزراعة حيث نجد المزارع الذي تصاب مزرعته بآفة من الآفات يستعين بالخبراء حتى يرشدوه إلى الطريق السليم والناجع للقضاء على هذه الآفات فتسلم مزرعته ومحاصيله من الأمراض فيفرح ويحصل على ما يأمله منها - فإذا كان هذا هو واقع التجربة الانسانية في مجال الطب والاقتصاد والزراعة فلماذا لا تصيبنا الموعظة ونسعى للتخلص من الأمراض السياسية التي تنهك مجتمعنا والتي أسبابها واضحة بينة فنصف لها العلاج ونتصارح حول هذا العلاج بالحسنى والصراحة والمنطق المبني على التراحم والسماحة والتوادد إنطلاقاً من قوله تعالى: "وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"(صدق الله العظيم).
    فبهذا المنطق وهذا الأسلوب نتخلص من الهوة التي تفصل بيننا وبين أمجاد أسلافنا فلقد كان أسلافنا أقل منا قدرة ورهطاً وإمكانيات ومع ذلك فقد كانوا أكثر منا مجداً ورفعة بينما نحن على العكس من ذلك نتأخر ويدب فينا الضعف والهوان ونحن نملك عدة وعتاداً وقوة تفوق ما كان متاحاً لهم".


زايد رجل المواقف


     لقد عكست المواقف السياسية التي أعلنها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة أصالة المبادئ التي اعتمدها لتقييم تطورات السياسة الدولية، ومتانة الثوابت التي ترتكز عليها هذا المبادئ حيال منظومة القضايا الملحة التي تواجه عالم اليوم، وبرهنت مواقفه عن فهم وادراك عميقين للضرورة القصوى التي يتوجب معها اتقان عملية الربط العضوي القائم بين تدعيم الكيان الإتحادي في الدولة وضمان استمرار استقرار المنطقة الخليجية، وبين استقرار المنظمة الخليجية، وبين استقرار الخليج ووقف الحرب العراقية الايرانية، وبين ارتباط سلامة الخليج بسلامة الوطن العربي، وبين ضمان أمن الخليج وما ينتج عنه من ضمان طبيعي لحرية الملاحة في مياهه، وبين ضمان هذه الحرية الحيوية وضرورة بقاء بحر العرب والمحيط الهندي منطقتي سلام مفرغتين من التسابق العسكري بين القوى العظمى المتضح بتزاحم الأساطيل الحربية وانتشار القواعد العسكرية فيه، ثم بين استتباب السلام العالمي وحل المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الدول المحرومة.